تفاصيل المقال

الشبكات: المفهوم والأدوات (1)
بتاريخ 2022-09-19
الشبكات: المفهوم والأدوات (1)
التصنيف

منوعات

بتاريخ

2022-09-19

مشاهدة

289


نحن نعيش في عالم معقد ومتشابك ومتحرك، وقد زاد تعقيده خلال العقد الماضي وخصوصاً في المنطقة العربية التي شهدت حراكها الكبير. يمكن أن ننظر لأسس هذا التعقيد في المنطقة العربية من زوايا عديدة، فقد عاشت هذه المنطقة من العالم عصوراً تاريخية مختلفة وسرت فيها دعوات وعقائد وأيديولوجيات ودول مختلفة مازالت آثارها وشواهدها قائمة حتى الآن.

يمكن القول بأن الوضع الحالي للمنطقة قد تشكل إثر الحرب العالمية الأولى وتداعياتها، وهناك العديد من الدلائل التي تشير إلى أن المنطقة تعيش حالياً تصدعاً للمعادلات القديمة وأن هناك إرهاصات لمرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد. وتقع هذه المنطقة في مكان جغرافي كان يتوسط إمبراطوريات عديدة ويحوي ممرات برية ومائية مهمة ويحتوي على موارد طبيعية تهم العالم، كما أن هذه المنطقة تحتوي على أماكن مقدسة للعديد من الديانات. كان هذا المكان مسرحا دائما للغزو الخارجي والاحتلال الاستيطاني والحروب الأهلية والتهجير والهجرات، آثار وشواهد كل ذلك مازالت قائمة حتى الآن.

ما تراكم من تفاعلات الزمان والمكان أنتج كثيراً من القضايا الوجودية العالقة والتي يتعاقب انفجارها وهدوءها في تجارب تطبع بصماتها على الأجيال المتلاحقة وعلى أشكال الحراك الاجتماعي. وفوق ذلك كله، فقد وضع الحراك الكبير الذي بدأ بنهاية عام 2010 كثيراً من الأفكار والنظريات والأيدولوجيات وأنماط الحياة وأساليب التفاعل وطرق التفكير ومنظومات القيم عند قطاعات كبيرة من الناس على المحك وتعرضت لاختبارات قاسية على مستويات عديدة نتج عنها تفاعلات غير مسبوقة وتوازنات قوى ما زالت تتغير.

نحن إذاً أمام مجموعة متشابكة من النظم المعقدة المتكيفة الحية Complex Adaptive Living Systems، والتي تحتاج إلى أدوات متعددة لدراستها وتحليلها وفهمها. وقد ساهم الباحثون المهتمون بالمنطقة من جميع أنحاء العالم ومن مختلف تخصصات العلوم الاجتماعية، والإعلاميون وكتاب الرأي والصحفيون الاستقصائيون، والناشطون في المجتمع المدني بكافة أطيافه، ساهموا جميعاً باستخدام أدواتهم الفكرية والنظريات العلمية المتوفرة في كل تخصص - وأحيانا بشكل عابر للتخصصات - في محاولات الدراسة والتحليل والفهم.

لكن مع حجم وكثافة ذلك الجهد، تشير التحديات والتغيرات المتسارعة والبيانات الضخمة المتوفرة والمعرفة المتراكمة إلى أننا بحاجة إلى أدوات جديدة تمكننا من جمع وتنظيم وتحليل المعرفة المتراكمة العابرة للتخصصات لاستكشاف السرديات واستنتاج الرؤى المفيدة والعملية، ومحاولة التنبؤ، ووضع السيناريوهات، والاستراتيجيات.

هناك مناظير ومستويات وطرق وأدوات عديدة تمت صناعتها واستكشافها للقيام بذلك، وإن أحد أهم تلك الطرق والأدوات التي لم تعطَ حقها بعد في المنطقة العربية هي ما يمكن تسميته بـ "نظارة الشبكات"، أي أن يتم النظر إلى هذه النظم المعقدة على أنها "شبكات"، وباستخدام هذه المنهجية وأدواتها، يمكن للعلوم الاجتماعية المختلفة، بشكل فردي أو عابر للتخصصات، أن تصل بشكل غير مسبوق إلى مستوى من الرؤية وكشف الأنماط والأبعاد، والتشابكات والخلفيات والسرديات.

الشبكات

في اللغة العربية، تطلق كلمة "شبكة" على كل متداخل متكامل، وتهدف دراسة الشبكات بشكل عام - بطرائق التحليل المختلفة - إلى محاولة فهمها والتنبؤ بحركتها ومحاولة التأثير عليها. ودراسة شبكات العلاقات الإنسانية / الاجتماعية المختلفة تهدف لذات الشيء، إلا أن على الجميع أن يكونوا أكثر تواضعا بكثير عند محاولة التنبؤ بسلوك البشر الفردي والجماعي لأن هناك من العوامل غير المادية ما لا يمكن قياسه ولا يمكن تضمينه في معادلات ونماذج رياضية، لكن يبقى لهذه الدراسة أهمية ومقدرة تفسيرية إذا وضعت في حجمها ومكانها المناسب.

الشبكات الاجتماعية

يغلب على خيال قطاع كبير من الناس حاليا عند ذكر كلمة الشبكات في سياق الاجتماع الإنساني ما عرف في السنوات الأخيرة بـ "شبكات التواصل الاجتماعي" التي نشأت بعد تطوير منصات الإعلام الاجتماعي على الإنترنت مثل فيسبوك وتويتر ولينكد إن وغيرها، لكن مفهوم "الشبكات الاجتماعية" في الأصل يقصد به البنى الاجتماعية المكونة من فاعلين اجتماعيين (أشخاص ومنظمات) وجد بينهم نوع أو أكثر من العلاقات أو التفاعلات الحقيقية أو المجازية. يمكن أن تكون هذه العلاقات روابط دم أو نسب أو مصاهرة أو صداقة أو عداوة أو تنافس أو تبعية أو تأثير أو أي نوع من العلاقات التنظيمية أو المالية أو غيرها.

شبكات المنظمات

عند الحديث عن علاقات وتفاعلات البشر فإننا نتحدث عن كائن حي متحرك يستمد حياته وحركته من حياة وحركة مكوناته ويمر بأطوار مختلفة، الغفلة عن هذه الفكرة تؤدي غالبا إلى سوء الفهم والتعامل.

فعلى سبيل المثال، جرت العادة على تصوير بنية المنظمات المختلفة كأجهزة الدولة والأحزاب والجمعيات والشركات والمؤسسات التعليمية والصحية فيما يعرف بـ "الهيكل التنظيمي"، وهو يصور عادة على شكل صورة ثابتة لبناء هرمي تكون قيادة المنظمة في قمته يليها قيادات الصف الثاني وصولا إلى أدنى السلم الهرمي، لكن في الحقيقة على أرض الواقع، فإن مراكز النفوذ وصلات الوصل ومحاور التنسيق تتغير باستمرار بتغير الظروف والعمليات والقدرات والفرص وحتى الصراعات. وعند القيام بمحاولة رسم الهيكل التنظيمي ليعبر في لحظة ما عن سير الأمور إزاء مسألة ما فإننا نجد أنفسنا أمام "شبكة" من الكيانات بينها روابط، وفي حال جمع المعلومات المناسبة وبشكل دقيق قدر الإمكان مع إجراء عمليات التحليل المناسبة، يصبح من الممكن معرفة وضع المنظمة وما يجري داخلها في تلك اللحظة عن تلك المسألة بشكل كبير وفعال.

يمكن القول باختصار شديد بأن تحليل شبكات المنظمات يهدف لجعل ما هو غير مرئي في سير العمل داخل المنظمات مرئيا.

يتبع...